صاحب محمد حسين نصار
300
الأجل في الفقه الاسلامي
أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء ، وشدّدوا في كراهية السعي فيها ، ورغّبوا في الإعراض عنها ، والنفور والهروب منها ، حتى تقرّر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء أنّ من ولي القضاء سهل عليه دِينه ، وألقى بيده إلى التهلكة ، ورغب عمّا هو أفضل ، وساء اعتقادهم فيه ، وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه ، والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ، ومعرفة مكانته من الدِين ، فيه بُعثت الرسل ، وبالقيام به قامت السماوات والأرض ، وجعله النبيّ صلى الله عليه وآله من النِعم التي يباح الحسد عليها ، فقد جاء من حديث ابن مسعود ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : ( لا حسد إلّافي اثنتين : رجل أتاه اللَّه مالًا فسلّطه على هلكته في الحقّ ، ورجل أتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ) « 1 » . واعلم أنّ كلّ ما جاء من الأحاديث ممّا فيه تخويف ووعيد فإنّما هو في حقّ قضاة الجور الجهّال ، الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علمٍ ، ففي هذين الصنفين جاء الوعيد . وأمّا في قوله صلى الله عليه وآله : ( مَن ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين ) « 2 » ، فقد أورده كثير من الناس في معرض التحذير من القضاء ، وقال بعض أهل العلم : هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته ، وإنّ المتولي له مجاهد لنفسه وهواه ، وهو دليل على فضيلة مَن قضى بالحقّ ؛ إذ جعله ذبيح الحقّ امتحاناً لتعظم له المثوبة » « 3 » . والذي يدخل في صلب البحث من القضاء هو الأجل في إجراءاته ، والتي هي عبارة عن الأنشطة الإجرائية التي تمارس بالشكل الشرعي والقانوني القضائي لإثبات الحقّ ، وإنّها مجموعة القواعد التي تحكم الدعوى من حيث مباشرتها منذ
--> ( 1 ) . السنن الكبرى 10 : 88 ، المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف 1 : 564 . ( 2 ) . سنن ابن ماجة 2 : 774 ، وسائل الشيعة 18 : 8 . ( 3 ) . تبصرة الحكّام 1 : 9 .